الجُّدَري مرضٌ يُسبِّبه فيروس الجُّدري الكبير. ويقول بعض الخبراء إنَّ هذا المرض قتل على امتداد القرون عدداً من الناس يفوق عدد ضحايا جميع الأمراض الأخرى الناجمة عن العدوى. لكنَّ انتشار الجدري توقَّف من خلال حملات التلقيح التي شملت العالم كلَّه منذ ثلاثة عقود خلت؛ وقد سُجِّلت آخر حالة في عام 1977. وما زال مختبران بحثيان يحتفظان بكمِّيات صغيرة من الفيروس المسؤول عن هذا المرض. ويخشى الخبراء من أن يقوم إرهابيُّون بيولوجيون باستخدام هذا الفيروس لنشر المرض من جديد. ينتشر الجدري بسهولة كبيرة من شخص لآخر؛ وأعراضُه شبيهة بأعراض الأنفلونزا، وهي تتضمَّن الحمَّى الشديدة والتعب والصداع وآلام الظهر، يتلوها ظهور طَفَح جلدي مع قَرحات حمراء مُسطَّحة. يمكن أن يسبِّب اللقاحُ المرض لدى بعض الأشخاص، وهذا ما يجعل الأطبَّاء يقتصرون في استخدامه على الأشخاص المعرَّضين بشدَّة لاحتمال الإصابة بهذا المرض. مُقدِّمة
الجُدَريُّ مرض مُعدٍ وخطير، بل هو مرض قاتل في بعض الأحيان. وهو ينجم عن العدوى بفيروس الجُدَري. ولا يوجد علاج نوعيٌّ للجُدَري، لكنَّ التلقيح يبقى هو السبيل الوحيد للحماية. لقد تمَّ استئصال فيروس الجدري من العالم، باستثناء العيِّنات المختبرية المحفوظة. يشرح هذا البرنامج التثقيفي ما هو الجُدَري، ويُناقش منافعَ التلقيح ومخاطره.ما هو الجُدَري
الجُدَري مرضٌ مُعدٍ، يُمكن أن يكون قاتلاً في بعض الأحيان. وهو يحدث نتيجة العدوى بفيروس يُسمَّى فيروس الفاريولا أو الجدري. لقد ظهر الجُدري في التجمُّعات البشريَّة منذ آلاف السنين. ولكن، تمَّ الإعلان عن استئصاله سنة ألف وتسعمائة وثمانين. ولا تزال عيِّنات من الفيروس موجودة في مستودعات المُختبرات. ينتشر الجُدَريُّ بواسطة المخالطة مع أشخاص مصابين عادة. وتكون المخالطةُ المُباشرة وجهاً لوجه لفترة طويلة نسبياً ضروريَّة بشكل عام كي يتمكَّن الفيروس من الانتقال من شخص إلى آخر. كما يُمكن أن ينتقل الجدري بواسطة التماسِّ المباشر أيضاً مع سوائل جسم المُصاب أو الأشياء المُلوَّثة، كالأغطية والثياب. أمَّا الانتقال غير المُباشر فهو أقلُّ حُدوثاً. لقد انتشر الجُدَريُّ في حالات نادرة بواسطة انتقال الفيروس عبر الهواء في أماكن مُغلقة، كالأبنية والباصات والقطارات. ولكن لا يُعرف عن الجُدَريِّ أنَّه ينتقل بواسطة الحشرات أو الحيوانات.أعراض الجدري
يُشتقُّ اسم الجدري من الجذر جَدَرَ، أي ارتفع. والجُدرة في العربيَّة تعني البَثَرة المُرتفعة عن الجلد، وتشير إلى البثرات المُرتفعة التي تظهر على وجه وجسم الشخص المُصاب بالجُدَري، والآثار التي تتركها. تتغيَّر أعراضُ الجُدَري مع انتقال المرض بين المراحل التالية:- دَور الحضانة.
- الأعراض الأوَّليّة أو طور البوادِر.
- الطفح المُبكِّر.
- الطفح البثري.
- البثرات والقشور.
- القشور (الجلبات) في طور الشَّفاء.
- القشور أو الجُلبات الشافية.
- دَور الحضانة
بعد التعرُّض للفيروس، تأتي فترةُ حضانة لا يكون لدى الناس خلالها أيَّة أعراض، بل قد يشعرون بأنَّهم بخير. وتستمرُّ فترة الحضانة هذه حوالي اثني عشر الى أربعة عشر يوماً، ولكنَّها يمكن أن تتراوح بين سبعة إلى سبعة عشر يوماً. ولا يكون المُصاب مُعدياً في هذه المرحلة.
- الأعراض الأوَّلية
تشمل الأعراض الأوَّلية للجدري الحمَّى والتوعُّك وأوجاع الرأس والجسم، والتقيُّؤ في بعض الأحيان. وتكون الحرارة مرتفعة عادةً، ما بين ثماني وثلاثين إلى أربعين درجة مئويَّة. كما يكون الناس في هذا الوقت في حالة سيِّئة عادة تمنعهم من ممارسة أنشطتهم العادية. وهذا ما يُسمَّى مرحلة البوادر التي قد تستمرُّ مدَّةَ يومين إلى أربعة أيَّام. ويتَّصف الناس المُصابون خلال هذه المرحلة بأنَّهم مُعدون أحياناً.
- الطفح المُبكِّر
يظهر الطفح الجلدي أوَّل ما يظهر على هيئة بقع حمراء صغيرة على اللسان والفم. وتتطوَّر هذه البقع إلى تقرُّحات تنفتح وتُخرج كمِّيات كبيرة من الفيروسات إلى الفم والحلق. ويصبح الشخص في هذا الوقت مُعدياً بشدَّة.
- الطفح البثري
تُصبح الآفات بثريَّة ــ مُرتفعة كثيراً، دائريَّة عادةً وقاسية عند اللمس، وكأنَّ هناك شيئاً ما صغيراً تحت الجلد. ويُعبِّر الناس عن ذلك غالباً بقولهم إنَّ الآفات تبدو وكأنَّها طلقات "الخُردُق" منغرسة في الجلد. وتستمرُّ هذه المرحلة أربعة أيَّام تقريباً.
- البثرات والقشور
تبدأ البثرات بتشكيل قشرة ثمَّ جُلبة. وتستمرُّ هذه المرحلة خمسة أيَّام تقريباً. وفي نهاية الأُسبوع الثاني من ظهور الطفح، يُصبح لمُعظم البثرات جلبات أو قشور فوقها.
- انحلال الجلبات (القُشور) أو بدء شفائها
تبدأ الجلبات بالسقوط، مُخلِّفة علامات على الجلد تُصبح في نهاية المطاف ندباً منقَّطة "مُنَقَّرة". وتتساقط مُعظمُ الجلبات بمرور ثلاثة أسابيع على ظهور الطفح.
- الجُلبات المُنحلَّة أو الشافية
يبقى المريض مُعدياً للآخرين حتَّى تتساقط جميع الجلبات (ألقشور).
علاج الجدري ولقاح الجدري
ليس هناك علاج مؤكَّد للجُدَري، ولكنَّ البحوث لتطوير عوامل جديدة مضادَّة للفيروس لا تزال مُستمرَّة. يتعافى مُعظم مرضى الجُدَري، ولكنَّ الموت قد يحدث بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمائة من الحالات. يحمل مُعظمُ الناجين من الجُدري ندباً دائمة تُغطِّي مساحات واسعة من أجسامهم، وخاصَّة الوجه، كما يُصاب البعض بالعمى. يُمكن الوقاية من الجُدَري باستعمال لقاح الجدري، وهو الوسيلةُ الوحيدة للوقاية من هذا المرض. ويُساعد اللقاحُ الجسمَ على تكوين مناعة تجاه فيروس الجُدَري، وقد استُعمل هذا اللقاح بنجاح في اسئصال الجُدري من البشر. يُصنَّع اللقاح من "فيروس حي" يُدعى فَيروس الوَقس "الفاكسينيا"، وهو نوع آخر من فيروسات الجُدَري. وترتبط فيروسُ الوقس بفيروس الجُدَري، ولكنَّه لا يستطيع أن يُسبِّب المرض. يعدُّ لقاحُ الجُدَري آمناً وفعَّالاً بالنسبة لمعظم الناس، وهم يعانون من مُجرَّد ردَّة فعل خفيفة على اللقاح. وردَّةُ الفعل هذه هي التي تشير إلى أنَّ اللقاح قد بدأ يعمل. ولكن، قد تكون ردَّةُ الفعل هذه شديدةً عند بعض الناس، وتحتاج إلى عناية طبية. وسوف تُناقش مخاطر اللقاح ومضاعفاته في المقاطع التالية. لا يُعطى لقاح الجدري بإبرة تحت الجلد، فهو ليس "حقنة" مثل أكثر اللقاحات؛ بل يُعطى اللقاح باستخدام إبرة متشعِّبة (ذات شقين) تُغمس في محلول اللقاح، وعند رفعها فإنَّها تحتفظ بقطيرة من اللقاح عليها. ثم يتمُّ استخدام هذه الإبرة لوخز الجلد عدَّة مرَّات خلال بضع ثوان. ولا يكون الوخز عميقاً، ولكنَّه يُسبِّب بقعة مُتقرِّحة، وتتشكَّل قطرة أو قطرتان من الدم. ويُعطى اللقاح في أعلى الذراع عادة. ينبغي على عمال الرعاية الصحِّية تغطية ضماد الشاش الذي يوضع فوق مكان الوخز بضمادة نصف نفوذة كعائق إضافي، حيث تسمح الضمادة نصف النفوذة بمرور الهواء، لكنَّها لا تسمح بمرور السوائل. تتكوَّن حدبةٌ حمراء حاكَّة في موقع التلقيح بعد ثلاثة أو أربعة أيَّام إذا كان التطعيم ناجحاً، وتصبح هذه الحدبة في الأسبوع الأوَّل بعد التلقيح بثرة كبيرة تمتلئ بالقيح وتبدأ بالنزِّ. تبدأ البثرةُ بالجفاف خلال الأسبوع الثاني، وتتكوَّن فوقها جلبة أو قشرة. وتسقط هذه الجلبة في الأسبوع الثالث، وتترك ندبة صغيرة مكانها. بما أنَّ الفيروس الذي يوجد في لقاح الجدري هو فيروس حيٌّ، فإنَّ بإمكانه الانتقال إلى أجزاء أخرى من الجسم أو إلى أشخاص آخرين، لذلك يجب الاهتمام والعناية بمكان التلقيح بدقَّة. تشير تجربة الماضي إلى أنَّ الجرعة الأولى من الِّلقاح تُوفِّر حماية من الجدري لمدَّة ثلاث إلى خمس سنوات، وتتناقص المناعةُ بعد ذلك. أمَّا إذا تمَّ تلقيح الشخص مرَّةً أخرى في وقت لاحق، فإنَّ المناعة تستمرُّ لفترة أطول.الآثار الجانبية للقاح الجدري
يُعاني مُعظم الناس بعد التلقيح من ردود فعل أو استجابة طبيعيَّة، خفيفة عادةً، وهي تزول دون حاجة للمعالجة عادة. ومن ردود الفعل الطبيعية على اللقاح:يكون بعضُ الأشخاص الذين يعانون من حالات صحِّية مُعيَّنة أكثرَ عرضة لآثار جانبية خطيرة بسبب لقاح الجدري. وينبغي ألاَّ يتمَّ تلقيح هؤلاء الأشخاص بلقاح الجدري، ما لم يكونوا قد تعرَّضوا لفيروس الجدري. ولذلك، يناقش هذا المقطع هذه الحالات الطبِّية. بالنسبة إلى الأشخاص الذين يُعانون من الإكزيما أو التهاب الجلد التأتُّبي (التحسُّسي)، أو يعيشون مع أشخاص يُعانون من هاتين الحالتين، يجب ألاَّ يُعطوا لقاح الجُدَري ما لم يكونوا قد تعرَّضوا لفيروس الجُدَري. ويسري التحذير حتَّى إذا لم يكن المرض فعَّالاً في الوقت الحالي، أو كان خفيفاً، أو تمت الإصابة به في مرحلة الطفولة. ينبغي ألاَّ يأخذ الأشخاص الذين يُعانون من أيٍّ من الأمراض الجلدية لقاحَ الجُدَري إلى أن يشفوا تماماً:
العناية الذاتيَّة بعد التلقيح
يوجد فيروس الوقس بعد التلقيح في موضع اللقاح، ويمكن أن ينتشر الى أجزاء أخرى من الجسم، أو إلى أشخاص آخرين من خلال المخالطة. يجب أن يتمَّ الاهتمامُ بموضع التلقيح بعناية حتَّى تسقط الجُلبة أو القشرة التي تتشكَّل بعد التلقيح من تلقاء ذاتها، ويحدث ذلك خلال أُسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. ويسرد المقطع التالي التعليمات الضروريَّة لتجنُّب انتشار فيروس الوقس. يجب تغطيةُ موقع التلقيح بشكل فضفاض بواسطة ضمادة خفيفة من الشاش، وتثبيتها باستخدام شريط لاصق لإبقائه في مكانه. كما يجب تغييرُ الضمادة كلَّ يوم إلى ثلاثة أيَّام، والحفاظ على الموضع مُغطَّى حتَّى تسقط الجلبة من تلقاء نفسها. وينبغي ارتداء قميص يغطِّي موضع التلقيح أيضاً كإجراء وقائي إضافي لمنع انتشار فيروس الوقس. وهذا أمرٌ هام، لاسيَّما في حالات الاتِّصال الجسدي الوثيق. كما ينبغي غسلُ اليدين بالصابون والماء الدافئ بعد الاحتكاك المباشر مع موضع التلقيح أو مع أيَّة مواد أخرى يمكن أن تصبح ملوَّثة، مثل الضمادة أو الملابس أو المناشف. يجب وضعُ الملابس والمناشف وأغطية الفراش، وغيرها من الأشياء التي قد تكون على اتِّصال مباشر مع موضع اللقاح أو مع الصديد الذي ينزُّ من الموضع، في غسّاَلة آليَّة مُنفصلة، وغسلها بالماء الساخن مع المنظِّفات والمُبَيِّض. ينبغي الحفاظُ على موضع التلقيح جافاً، وتغطيته بضمادة واقية من الماء عند الاستحمام، وتذكُّر تغيير ضمادة الشاش الفضفاضة بعد الاستحمام.ويجب عدم وضع المراهم على موضع التلقيح.
ينبغي عدم خدش أو نكش الجلبة أو القشرة. يجب وضعُ الضمادات الملوَّثة في كيس بلاستيكي مُحكم الإغلاق، ورميها في سلَّة المهملات. وكذلك الأمر بالنسبة للجلبة عندما تسقط، ثم غسل اليدين بعد ذلك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق